محمد متولي الشعراوي

6137

تفسير الشعراوى

وهكذا يكشفون حقيقة موقفهم ، فقد كانوا يقلدون آباءهم ، والتقليد يريح المقلّد ، فلا يعمل عقله أو فكره في شئ ليقتنع به ، ويبنى عليه سلوكه « 1 » . والمثل العامي يصور هذا الموقف بعمق شديد حين يقول : « مثل الأطرش في الزفة » أي : أن فاقد السمع لا يسمع ما يقال من أي جمهرة ، بل يسير مع الناس حيث تسير ، ولا يعرف له اتجاها . والمقلّد إنما يعطل فكره ، ولا يختار بين البدائل ، ولا يميز الصواب ليفعله ، ولا يعرف الخطأ فيتجنّبه . وفرعون وملؤه كانوا على ضلال ، هو نفس ضلال الآباء ، والضلال لا يكلف الإنسان تعب التفكير ومشقة الاختيار ، بل قد يحقق شهوات عاجلة . أما تمييز الصواب من الخطأ واتباع منهج السماء ، فهو يحجب الشهوة ، ويلزم الإنسان بعدم الانفلات عكس الضلال الذي يطيل أمد « 2 » الشهوة . إذن : فالمقلد بين حالتين : الحالة الأولى : أنه لا يعمل عقله ، بل يفعل مثل من سبقوه ، أو مثل من يحيا بينهم .

--> ( 1 ) وهذا التقليد نهى عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في حديثه ، فعن حذيفة بن اليمان أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا تكونوا إمعة ، تقولون : إن أحسن الناس أحسنّا ، وإن ظلموا ظلمنا ، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، وإن أساءوا فلا تظلموا » أخرجه الترمذي في سننه ( 2007 ) وقال : حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . ( 2 ) أمد الشهوة : غايتها . والأمد : منتهى الأجل . وقد وردت هذه اللفظة ثلاث مرات في القرآن ، فقال تعالى : قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً ( 25 ) [ الجن ] أي : زمانا بعيدا . وقال سبحانه : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً . . ( 30 ) [ آل عمران ] أي : في غاية البعد . وقال تعالى : ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً ( 12 ) [ الكهف ] أي : مدة وزمانا .